الإيميل خطأ



تفاصيل الموضوع


تأملات في ثلاث آيات من سورة البقرة.

تأملات في ثلاث آيات من سورة البقرة.

التاريخ : 04/04/2012 الموافق 12 - 5 1433iهـ. | عدد الزيارات : 7764

                                   تأملات  في ثلاث آيات من سورة البقرة.

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ۘ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)

 كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)

 أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)

المعنى العام    :-

العنوان هو الفتنة والابتلاء، ومناسبة هذا العنوان أن الآيات الثلاث تمثل سنة الإبتلاء، وأثرها في سلوك كل من المؤمن والكافر .

ونجمل المعنى فيما يلي :

أن الحياة الدنيا زُيّْنت للكفرة فافتتنوا بها، فما كان صنيعهم إلا العصيان والخذلان،والسخرية من المؤمنين والأبرار.

ثم بين سبحانه أن الأصل أن جميع الناس كانوا في ضلال وشقاء؛ فأرسل الرسل فآمن من آثر الحياة الآخرة، وعصى من افتتن بالحياة الدنيوية

ثم عقب أخيراً أن هذه سنته تعالى في الخليقة جمعاء من مرسلين ومن سواهم، و على الجميع الصبر والثبات والاحتساب تجاه هذه السنة . والله المستعان .

التزيين للدنيا:

يخبر الله تعالى أن الذين كفروا بالله وآياته ورسله عليهم الصلاة والسلام، و لم ينقادوا لشرعه قد زينت لهم الحياة الدنيا.

أما من هو المراد بالمزين؟ فنقول المزين حقيقة: هو الله سبحانه وتعالى، فهو الخالق البارئ بديع السماوات والأرض.

ولكن قد يقال أن الشيطان مزين بالإغواء والإغراء.

وفي ذلك يقول ابن الجوزي – رحمه الله- : ((وإلى من يضاف هذا التزيين؟؛ فيه قولان: أحدهما: أنه مضاف إلى الله؛ وقرأ أبي بن كعب والحسن ومجاهد وابن محيصن وابن أبي عبلة: ((زَيَّن)) بفتح الزاي والياء، على معنى: زينها الله لهم.

والثاني: أنه مضاف إلى الشيطان، روي عن الحسن([1]).

وخص الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها.

وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها، ليبلوا الخلق أيهم أحسن عملاً، قال تعالى: ((إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبوهم أيهم أحسن عملا)) ([2]).

والمؤمنون الذين هم على سنن الشرع ،لم تفتنهم الزينة ؛والكفار تَملْكتهْمُ، لأنهم لا يعتقدون غيرها. ([3])

ميزان الفوقية:

إن التفاضل في ديننا لا يخضع لشرف ،ولا لنسب، ولا جاه، ولا سلطان، ولا غير ذلك، من الاعتبارات الزائفة والزائلة.

إنما هو ذو معيار واحد وهو تفاضل الدين.

فلا الأحساب ولا الأجناس ولا الأموال هي ميزان الفوقية في ديننا، بل التنافس الحق، والتفاضل الحق، هو في مقدار الدين والإلتزام.

قال الله – تعالى- ((يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)) ([4]).

وقال الرسول – صلى الله عليه وسلم- : ((لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى..)) ([5]).

ومر رجل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقال لرجل عنده جالس (ما رأيك في هذا فقال رجل من أشراف الناس :هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع ،وإن قال أن يسمع، فسكت رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ثم مر رجل آخر فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ما رأيك في هذا؟ فقال يا رسول الله :هذا رجل من فقراء المسلمين ،هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع ،وإن قال أن لا يسمع لقوله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) ([6]) .

وبهذا الميزان كان يقاس الناس في زمن رسولنا – صلى الله عليه وسلم- فهو الميزان والمقياس للتزوج ،وهو المقياس للإمارة، وهو المقياس للإمامة في الصلاة.

الدنيا بالنسبة للآخرة:

الدنيا دار فناء وابتلاء، والآخرة دار بقاء وجزاء، ولا مقارنة بينهما.

وقد جاء القرآن الكريم مؤكداً هذه الحقيقة، فقال الله تعالى: ((قل متاع الدنيا قليل)) ([7]) وقال تعالى: ((وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون)) ([8]).

وقال تعالى: ((اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفراً ثم يكون حطاماً وفي الآخرة عذاب شديدة ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)) ([9]) وغيرها من الآيات.

وجاءت السنة النبوية مؤكدة هذا المعنى أيضا.

فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- : ((اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأصلح الأنصار والمهاجرة)) ([10]) ومنها قوله عليه الصلاة والسلام  أيضا: ((موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)) ([11]) وقال عليه الصلاة والسلام ((والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع)) ([12]).

وفي هذا الحديث يقول القرطبي – رحمه الله- ((هذا نحو قوله تعالى (قل متاع الدنيا قليل)) وهذا بالنسبة إلى ذاتها؛ وأما بالنسبة إلى الآخرة فلا قدر لها ولا خطر، إنما أورد  ذلك على سبيل التمثيل والتقريب، وإلا فلا نسبة بين المتناهي وبين مالا يتناهى، وإلى ذلك الإشارة بقوله (فلينظر بم يرجع).

ووجهه أن القدر الذي يتعلق بالإصبع من ماء البحر لا قدر له ولا  خطر، وكذلك الدنيا بالنسبة للآخرة،

والحاصل أن الدنيا كالماء الذي يعلق في الإصبع من البحر؛ والآخرة كسائر البحر)) ([13]).

 ولا يتعلق بها إلا من لا عقل له وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم- ((الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له)) ([14]) .

وهذه الحقيقة عاشها الصحابة – رضوان الله عليهم- وعرفوها وكذا من سار على نهجهم من السلف الصالح – رضوان الله عليهم أجمعين- وعبروا عنها أحسن تعبير قولاً وعملاً.

فها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: ((ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة بنون، فكونوا أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل)) ([15]).

ومتى حقق العبد هذا الأمر في قلبه ستتغير صورة الحياة الدنيا في عينيه وسينظر إلى الدنيا بمنظار حقيقي وسليم ونافع.

فوقية الدنيا والآخرة

وفوقية المتقين هذه شاملة لكلا الدارين الدنيا والآخرة، فهم فوق الكفرة والملحدين في الدنيا، كما وقع ذلك من ظهور الإسلام، وسقوط الكفر، وقتل أهله، وأسرهم وتشريدهم، وضرب الجزية عليهم، ولا مانع من حمل الآية هذه عليهم هذا لولا التقييد بكونه يوم القيامة.

فهم فوق الكفرة والملحدين في الآخرة، وهو المراد به في الآية لتقييدها كما أسلفنا بقوله (يوم القيامة) فالذين آمنوا وأعرضوا عن الدنيا، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم وبذلوه ابتغاء وجه الله؛ فازوا بالمقام الأسعد، والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق من سواهم من الكفرة وغيرهم في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين. ([16])

السخرية:

يخبر تعالى أن الكافرين ممن افتتنوا بهذه الحياة الدنيا، كان حالهم السخرية والاستهزاء واحتقار المؤمنين.

وكانوا يسخرون منهم: قيل: لفقرهم، وقيل: لتصديقهم بالآخرة، وقيل: لاتباعهم النبي – صلى لله عليه وسلم-([17]).

وأيا كان سبب سخريتهم منهم، فالسخرية والاستهزاء أمرٌ ممقوت في شرعنا، ويعظم هذا الجرم أكثر لو كان الساخر والمسخور منه مسلمان قال – تعالى- محذراً عباده من مغبة هذا الأمر و هذه الجريمة ((يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابذوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)) ([18]).

وقال الرسول – صلى الله عليه وسلم- : ((المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله ؛ التقوى هاهنا بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام عرضه وماله ودمه)) ([19]).

وفي هذه الأزمان يتعرض المؤمنين لوجوه كثيرة من السخرية ويوصفون بالغباوة والجهل وسوء الرأي والتطرف والرجعية... إلى غير ذلك؛ وهذه سنة ينبغي على المؤمنين الصبر عليها والثبات، وعدم الجزع أو التسخط  أو التراجع.

وفي الآخرة من ادعى العلم والفهم لنفسه والجهل والسفه لغيره من الصالحين ،سيدرك من كان ذا علم ومن كان جاهلا (وقالوا لو كنا نسمع أونعقل ما كنا في أصحاب السعير) الملك

سنة الابتلاء:

قال الله تعالى: ((الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)) ([20]) ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبل مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)) ([21]) ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)) ([22])

فيقول في ذلك ابن القيم – رحمه الله- ((فالناس إذا أرسل إليهم الرسل بين أمرين: إما أن يقول أحدهم آمنا وإما أن لا يقول آمنا بل يستمر على عمل السيئات؛ فمن قال آمنا أمتحنه الرب عز وجل، وابتلاه وألبسه الابتلاء والاختبار ؛ ليبين الصادق من الكاذب، ومن لم يقل آمنا فلا يحسب أنه يسبق الرب لتجربته فإن أحداً لن يعجز الله تعالى هذه سنته تعالى يرسل الرسل إلى الخلق فيكذبهم الناس ويؤذونهم؛ قال تعالى: ((وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الأنس والجن)) ([23])،وقال تعالى: ((كذلك ما آتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون)) ([24]).

ومن آمن بالرسل وأطاعهم عادوه وآذوه، فابتلي بما يؤلمه ؛ وإن لم يؤمن بهم عوقب، فحصول ما يؤلمه أعظم وأدوم، فلا بد من حصول الألم لكل نفس سواء آمنت أم كفرت؛ لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، والكافر تحصل له النعمة ابتداءً ثم يصير في الألم.

 (سأل رجل الشافعي) فقال: يا أبا عبد الله، أيهما أفضل للرجل أن يمكن أو يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة: وهذا أصل عظيم فينبغي للعاقل أن يعرفه وهذا يحصل لكل أحد..)) ([25])

ويقول – رحمه الله- أيضاً في موضع آخر: ((وإذا تأملت حكمته – سبحانه- فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجل الغايات، وأكمل النهايات، التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين المنهج في حقهم، والكرامة، فصورته صورة ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله من نعمة جسيمة ومنة عظيمة، تجنى من قطوف الابتلاء والامتحان.

فتأمل حال أبينا آدم وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنة التي جرت عليه، وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك، لما وصل إلى ما وصل إليه، فكم بين حالته الأولى وحالته الثانية في نهايته.

وتأمل حال أبينا نوح – صلى الله عليه وسلم- وما آلت إليه محنته وصبره على قومه تلك القرون كلها، حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض بدعوته، وجعل العالم بعده  من ذريته، وجعله خامس خمسة، وهم أولوا العزم الذين هم أفضل الرسل... فإذا جئت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم- وتأملت سيرته مع قومه وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبي قبله، تلون الأحوال عليه من سلم وخوف، وغنى وفقر، وأمن و إقامه في وطنه وظعن عنه وتركه لله؛... وهو مع ذلك صابر على أمر الله يدعو إلى الله، فلم يؤذ نبي ما أوذي، ولم يحتمل في الله ما احتمله، ولم يعط نبي ما أعطيه، فرفع الله له ذكره، وقرن اسمه باسمه، وجعله سيد الناس كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وسيلة، وأعظم عنده جاهاً، وأسمعهم عنده شفاعة، وكانت تلك المحن والابتلاء عين كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفاً وفضلاً، وساقه بها إلى أعلى المقامات، وهذا حال ورثته من بعده الأمثل فالأمثل، كل له نصيب من المحنة يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له؛ ومن لا نصيب له من ذلك، فحظه من الدنيا حظ من خلق لها وخلقت له... فلله سبحانه من الحكم في ابتلاءه أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين ما تتقاصر عقول العالمين عن معرفته، وهل وصل من وصل إلى المقامات المحمودة، والنهايات الفاضلة، إلا على جسر المحنة والابتلاء)) ([26]).

أنواع البلاء :

إن الله عز وجل لم يجعل الابتلاء لعباده نوعاً واحداً،بل جعله أنواعاً مختلفة فهو سبحانه وتعالى يبتلي عباده بالتكاليف،ويبتليهم بالنعم،ويبتليهم بالنقم،يبتليهم بكل هذا لحكم كثيرة وفوائد جمة منها :

تحقيق العبودية الكاملة لله في السراء والضراء،في العسر واليسر، وفي كل شأن من شؤون الحياة و في كل حين من الزمان.

والله ذكر في هذه الآية البأساء والضراء لأن من طبيعة الابتلاء بالشدة؛ وأما الزلزلة فهي أعلى مستوى وأشده من المحنة ،وتتابع هذه الشدائد والرزايا على المؤمنين حتى ينزعجوا انزعاجاً شديداً،ويدخل الرعب والخوف إلى قلوبهم ،إلى أن يصبح اضطراباً في القلوب، بحيث لا تستقر على حال وتكاد تزل عن الحق الذي آمنت به،ومن شأن هذه الأمور،أن توقظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى،وأن ترقق القلوب التي طال عليها الأمد ،وأن تتجه بالبشر الضعاف إلى خالقهم القهار، يتضرعون إليه ،ويطلبون رحمته وعفوه ، ويعلنون بهذا التضرع عبوديتهم لله ([27]).

نصر الله قريب :

فهذه الآية تفيد إخباره أن الجنة التي أعدها الله لرسله وأتباعهم من المؤمنين، عزيزة غالية بعيدة المنال،لا يوصل إليها ألا بعد النجاح في الابتلاء والاختبار حتى يتبين المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، وإذا اشتد البلاء والكرب فإن النصر قريب .

والعاقبة الحسنة للمؤمنين في الدنيا والآخرة،ولأعدائهم الهزيمة والخذلان في الدنيا، والنار في الآخرة .

فالجنة لا تنال بالراحة والكسل والتمني والتشهي والدعاوى الفارغة، وإنما تنال بالتوحيد والإخلاص ،والصبر على الطاعات، واجتناب المحرمات، والجهاد في سبيله بالنفس والمال واللسان، والصبر على الشدائد والفتن والمصائب والكوارث واحتساب الأجر عند الله تعالى.

وعلى المؤمنين عدم تعجل النصر فالنصر آتٍ بإذن الله والفرج مع شدة الكرب.

وعن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال :قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله  لنا؟ فقال)   إن من كان قبلكم، كان أحدهم يوضع المنشار على مفرق رأسه فيخلص إلى قدميه لا يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه، ثم قال:والله ليتمن الله هنا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على علمه ولكنكم تستعجلون "([28])

فلا يأس ولا قنوط ، ولاكن صبر واحتساب حتى يأتي النصر .

وما تأخر النصر إلا لحكمة أرادها سبحانه وتعالى

وقد تتحقق سنة النصر بغير صورتها الظاهرة من الغلبة على الأعداء والتمكين في الأرض،ويظن بعض الناس أن ذلك خلف للسنة ولوعد الله بنصر المؤمنين،وليس الأمر كذلك فالنصر ليس معناه مقتصراً على صورة واحدة وإنما هو صور متعددة،وأي تحقق لصورة معينة إنما هو تحقق للسنة،فسنة الله يأخذه أبداً،ووعد الله بنصر رسله والمؤمنين معه في مثل قوله تعالى( إنَّا لننصر رسلنا.....)غافر/51

وهذا وعد يتحقق فسنة الله في قديم الدهر وحديثه أن ينصر عباده المؤمنين في الدنيا بوجه من وجوه النصر التالية:

1- النصر بالانتقام لهم ممن آذاهم، سواء كان ذلك بوجودهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم؛ كما فعل بقتلة يحي و زكريا و شعيباً عليهم السلام.

2- النصر بغلبة الحجة والبرهان؛ وذلك كانتصار إبراهيم بحجته على قومه .

3- النصر بإنزال عقوبة الاستئصال أو غيرها من العقوبات الكونية؛ مثل عقابه لقوم نوح وصالح عليهما السلام وغيرهم.

4- النصر بنجاة المؤمنين من كيد أعدائهم وسلامتهم من شرورهم ؛كانتصار إبراهيم عليه السلام  بنجاته من النار التي أججها قومه لحرقه.

5- النصر بانتصار وانتشار فكرة الداعي باستشهاده في سبيل الله؛ كالنصر الذي ظفر به غلام أصحاب الأخدود مع سقوطه شهيداً على يد عدوه الملك الذي رماه بسهم من كنانة الغلام نفسه وقال كما ذكر له الغلام نفسه:باسم الله رب الغلام فرماه فأصابه.

6- النصر بإحباط الله لخطط الأعداء ،وعدم تمكينهم من التغلب على قوة المسلمين، وبقاء المسلمين متمسكين بدينهم، رغم ضراوة الحرب ضدهم.

7- النصر بظهور الحق على الباطل، واعتراف أنصار الباطل في نفوسهم ، بأنهم مبطلون وبأن خصومهم الدعاة هم المحقون. ([29])

إلى غير ذلك من صور النصر التي نسأل الله أن يحققها للأمة اليوم ، ،وأن يرفع عنها هذه الكربة ويصلح حالها إنه ولي ذلك والقادر عليه.

الخاتمة

مما سبق يتبين :

1- أن سنة الله في ابتلاء عباده سنة جارية وماضية، لا تحيد عن أحد من البشر، فرداً أو جماعة،مسلماً أو كافراً.

 2- ظهرت شدة التركيز والخطاب للمؤمنين بحتمية هذه السنة، وأنها سنة الله في الأمم السابقة واللاحقة ،إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كل هذا؛ لأن المؤمنين هم الذين يستفيدون من ذلك لإيمانهم بالله ، واحتسابهم الأجر منه سبحانه،لا أنهم فقط هم الذين تجري عليهم سنته هذه  سبحانه وتعالى ؛بل إن هذه السنة عامة بدليل قوله تعالى( إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه)([30]).

3- عدم الاغترار بزينة الدنيا الفانية.

4- لا مقارنة بين دار الدنيا ودار الآخرة.   

5- الميزان الحقيقي للفوقية،وإن المؤمنين ينالون الفوقية في الدارين الدنيا والآخرة.

6- السخرية هي دأب الكفرة وحالهم مع الصالحين.

7- وجه تسمية يوم القيامة بهذا الاسم .

8- يرزق الله  من يشاء من عباده بغير حساب.

9- الأصل في الخلق الاسلام.

10- مهمة الرسل عليهم الصلاة والسلام التبشير و الإنذار. 

11- نصر الله قريب ،وكلما ضاقت فالفرج قريب ولله في ابتلائه وتقديره حكمة .

الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على أفضل المرسلين نبينا محمد وعلى وآله وصحبه.

 

 

 

 

 

 



([1])   زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي: (1/228)

([2])   الكهف: 7.

([3])   الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/28- 29.

([4])   الحجرات: 13.

([5])   أخرجه الإمام أحمد 5/411.

([6])   أخرجه البخاري كتاب الرقاق باب فضل الفقر 1153.

([7])   النساء: 77.

([8])   العنكبوت: 64.

([9])   الحديد: 20.

([10])   أخرجه البخاري كتاب الرقائق، باب ما جاء في الرقائق، ص 6413، 11/229، كتاب الجهاد، باب الصبر عند القتال ص 2834، 6/45، كتاب مناقب الأنصار باب دعاء النبي.. 7/118، ص 3795.

([11])  أخرجه البخاري كتاب الجهاد، باب فضل رباط يوم في سبيل الله 6/85، باب الحور العين وصفتهن 6/15.

([12])   أخرجه مسلم  كتاب الجنة، باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ص 55- 17/192.

([13])  كلام القرطبي  ذكره عنه ابن حجر في الفتح11/232.

(4( أخرجه الامام احمد 6/71

(1(  أخرجه البخاري كتاب الرقاق باب في الأمل وطوله 11/235.

(2) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 1/213. تفسير القرآن العظيم لابن كثير 1/267

([17])   زاد المسير 1/229، الجامع لأحكام القرآن 3/29.

([18])   الحجرات: 11.

([19])   البخاري كتاب الاكراه، باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه 12/323.

([20])   العنكبوت: 1- 3.

([21])   البقرة: 214.

([22])   آل عمران: 142.

([23])   الأنعام: 12.

([24])   الذاريات: 52.

([25])   الفوائد لابن قيم الجوزية: 154- 155.

([26])   مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإدارة: 1/299- 301.

([27])  في ظلال القرآن3/1336

([28]) أخرجه البخاري في كتاب الإكراه،باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر12/330.

 

([29])  تفسير ابن كثير 4 /83 ،في ظلال القرآن 5/3085

 ([30]) الإنسان، آية: 2

 
إضافة تعليق على الموضوع

*



*



*صياغة الإيميل غير صحيحة



*



*



*




عام مودَّع ..
في حج 1432 عامي الماضي حججت عن والدة زوجي -رحمها الله- والتي توفيت في نفس العام , وفي أثناء الحج رأيت في منامي جدة والدتي تعاتبني أني لم أحج عنها , فقلت لها: بإذن الله سأحج عنك العام المقبل فأومأت لي بحركة فهمت منها وكأنها تقول: (مايمديك) فوقع في نفسي أني لن أدرك حجي العام المقبل ؛بل سأودع قبل ذلك