الإيميل خطأ



تفاصيل الموضوع


الخبيئة

الخبيئة

التاريخ : 19/04/2017 الموافق 22/7/1438 | عدد الزيارات : 176

الخبيئة

موضوع عندما تتحدث عنه تجد نفسك أول المخاطبين به
ووقفة بل وقفات تقفهًا مع نفسك في كل ما قد عملته
ولفتة ينبغي أن تراجع نفسك في أمرها بين الفيئة والفيئة
إذ نحن في زمن ازدادت فيه وسائل التواصل، وبات الناس يتنافسون في نشر ما هو محرم،  أو غير مناسب ، وما لا ينبغي نشره، أو لا يليق على أقل تقدير،أوما كان الأولى الإسرار به .
بل حُرِم كثير خبيئة صالحة يكنّها ويُسرّ بها فيما بينه وبين ربه
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((من استطاع منكم أن يكون له خِبءٌ من عملٍ صالحٍ فليفعل)) [صححه الألباني]
وديننا رغب في التعبد بكل صوره، وجعل العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة.
ورقى بالمعاملات والعادات إلى مصاف العبادات متى تحقق صدق النيات،وخلصت السرائر.
ورغب في السر منها ،وقدّمه في مواطن ،تهذيبا للعبد وتزكية وتربية لنفسه لبلوغ الإخلاص والإحسان
فصدقة السر أفضل من صدقة العلانية: {إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم؛}(البقرة: 271 )،
وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}(المزمل:6)، {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا
وأمربالدعاء خفية وتضرعا قال تعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ﴾[45]: قال ابن جرير: تضرّعا تذلّلا واستكانة لطاعته. وخفية يقول: بخشوع قلوبكم، وصحّة اليقين بوحدانيّة وربوبيّته فيما بينكم وبينه لا جهارا مراءاة
والبكاء في السجود والخلوات (خروا سجدا وبكيا)حيث يكون العبد أقرب من ربه، والقلب له أخلص(أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وفي الخلوات حين يكون بمنأى عن الخلق
((... ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه )) حديث البخاري.
وصدقة السر خير (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149) ﴾ النساء،
وجاء من السّبعة الذين يظلّهم الله - تعالى - يوم القيامة في ظلّه يوم لا ظلَّ إلا ظلّه: ((رجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه،...))
والنوافل في البيت...
وكذا كانت العناية ابتداء بعبادة القلب، التي هي روح العبودية وأصلها، وإنّما أعمال الجوارح تبع (ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب)
عبادات القلب بمحبة الله والتوكل عليه ورجاؤه والاستعانة به والصدق معه والحياء منه والتعبد له بأسمائه وصفاته والرضى بحكمه وقضائه.....
وإذا كانت هذه هي مكانة عبادة القلب؛ فالأحرى بالمؤمن أن يكون له نصيب منها، ومن تلك الأعمال.
 ومن هنا يتقرر عندنا أن أعمال السر الصالحة هي صورة للعبودية الباطنة؛ ذلك أن العبدَ عليه عبوديتان: عبوديةٌ باطنةٌ، وعبوديةٌ ظاهرة، وقيامُ الإنسان بالعبودية الظاهرة مع عدم امتثاله لحقيقة العبودية الباطنة لا يقربّه إلى ربه، ولا يوجب له الثواب وقبول العمل؛ فإن المقصود امتحان القلوب وابتلاء السرائر.
     فهذا الصّحابي الجليل ابن مسعود رضي الله عنه يقول: ((من صلّى صلاة عند النّاس لا يُصلّي مثلها إذا خلا، فهي استهانة استهان بها ربّه))، ثم تلا قوله تعالى: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُون مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ [النساء: 108]، وفي يوم قال رضي الله عنه لأصحابه رضي الله عنهم : ((أنتم أكثر صلاة وأكثر جهاداً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا خيراً منكم، قالوا: بمَ ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إنّهم كانوا أزهد في الدّنيا وأرغب في الآخرة))
وكان السلف يثنون على الرجل بهذه الخصلة العزيزة النادرة، فهذا ابن المبارك يذكر الإمام مالك -رحمة الله عليهما- فيقول: ما رأيت رجلاً ارتفع مثل مالك بن أنس! ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة
وسئل ابن المبارك عن إبراهيم بن أدهم؟ فقال: له فضل في نفسه، صاحب سرائر.
 
والخبيئة الصالحة كنز ينتفع به العبد  عند الشدائد والأزمات:
قال الله تعالى عن يونس عليه السلام: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}(الصافات:143ـ144)، وفي حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة أنهم بحثوا عن الخبيئة الصالحة الخالصة ليخرجوا من أشد الظروف ،ومن ظلمات ذلك الغار، وكانت سببا لانفراج تلك الصخرة،وزوال تلك الكربة، فزوالها كان بتلك الخبايا الصالحة.
ويجد صاحبها القبول والثناء الحسن:
بوّب الإمام الترمذي بابا قال (باب عمل السرّ) عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رجل: يا رسول الله الرّجل يعمل العمل فيسرُّه، فإذا اطُّلِعَ عليه أعجَبَهُ ذلك ؟.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((له أجران: أجر السِّرِّ وأجرُ العلانية))
 قال الترمذي: وقد فسّر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إذا اطُّلِعَ عليه فأعجبه، فإنما معناه أن يُعْجِبُهُ ثناءُ الناس عليه بالخير، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أنتم شهداء الله في الأرض"، فيعجبه ثناء الناس عليه لهذا لما يرجو بثناء الناس عليه، فأما إذا أعجبه ليَعْلَمَ النّاس منه الخير ليُكرَمَ على ذلك ويعظّم عليه فهذا رياء، وقال بعض أهل العلم: إذا اطُّلِع عليه فأعجبَه رجاءَ أن يعملَ بعمَلهِ فيكونَ له مثل أجورِهم فهذا له مذهب أيضا.
قال ابن رجب:" فأما إذا عمل العمل لله خالصا ثم ألقى الله له الثّناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك بفضل ورحمة واستبشر بذلك لم يضرّه ذلك وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن الرجل يعمل العمل لله من الخير يحمده النّاس عليه، فقال: ((تلك عاجلُ بشرى المؤمن )) أخرجه مسلم، وعنده الرَّجُل يعمل العمل لله فيحبّه الناس عليه.
أي إطلاق الله ألسنة الخلق بالثناء عليه، وإن كان هو لا يقصد ذلك ولا يسعى إليه، أو ربما لا يرضاه، قال ابن الجوزي: "من أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في إصلاح السرائر؛ فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر".
قال ابن المبارك: "ما رأيت أحدا ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون السريرة".
وفي الحديث: [و من التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس .. الحديث] رواه ابن حبان .
وقال ابن الجوزي أيضا: "لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم والصمت ويتخشع في نفسه ولباسه والقلوب تنبو عنه، وقدره في الناس ليس بذاك، ورأيت من يلبس فاخر الثياب وليس له كبير نفل ولا تخشع، والقلوب تتهافت على محبته؛ فتدبرت السبب فوجدته السريرة فالله الله في السرائر؛ فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح ظاهر"
قال محمد بن واسع: "من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح آخرته أصلح الله له دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس".
ومن خواطر ابن الجوزي في صيده قوله: "نظرت في الأدلة على الحق - سبحانه وتعالى - فوجدتها أكثر من الرمل، ورأيت من أعجبها: أنّ الإنسان يخفي الطاعة، فتظهر عليه، ويتحدّث الناس بها، وبأكثر منها، حتى إنهم لا يعرفون له ذنباً، ولا يذكرونه إلا بالمحاسن؛ ليعلم أنّ هنالك ربّاً لا يُضِيعُ عَملَ عاملٍ، وإن قلوب النّاس لتعرف حالَ الشّخص، وتحبّه، أو تأباه، وتذمّه، أو تمدحه وفق ما يتحقّق بينه وبين الله - تعالى - فإنّه يكفيه كلّ همّ، ويدفع عنه كلّ شرّ.
وما أصلح عبدٌ ما بينه وبين الخلق دون أن ينظر إلى الحقّ إلاّ انعكس مقصُودُهُ وعادَ حَامِدُهُ ذَامّا


والخبيئة الصالحة سبب لحسن الخاتمة، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ» رواه البخاري ومسلم،
فإذا كانت دسيسة السوء، والخبيئة الخبيثة -والعياذ بالله- سبباً في سوء الختام، كما ثبت في قصة الذي كان يقاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم، فأَخبر أنه من أهل النار؛ لدسيسة سوء في قلبه، فإن السرائر الصالحة من أسباب حسن الخاتمة، نسأل الله من فضله.
       والخبيئة الصالحة من أقوى أسباب تفريج الكرب؛ وذاك ما تشهد به حادثة أهل الغار.

وكما أن أعمال الخلوات: من أسباب الرفعة والنجاة يوم القيامة: تأمل في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ)[الطارق: 9]، "وفي التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة؛ وهو أن الأعمال نتائج السرائر الباطنة، فمن كانت سريرتُه صالحة كان عملُه صالحاً، فتبدو سريرته على وجهه نوراً وإشراقاً وحياء، ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعاً لسريرته، لا اعتبار بصورته؛ فتبدو سريرته على وجهه سواداً وظلمة وشَيناً، وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته، فيوم القيامة تبدو عليه سريرته ويكون الحكم والظهور لها"
يقول الإمام مالك رحمه الله: مَن أحب أن يَفْتَحَ له فُرجةً في قلبه، وينجو من غمرات الموت، وأهوال يوم القيامة؛ فليكن في عمله في السر أكثر منه في العلانية ، وتأمل في قائل هذه الكلمة، إنه الإمام مالك الذي أثنى عليه ابنُ المبارك بأن مالكاً كان صاحب سريرة

كما أنها أحد أسباب دخول الجنة: ففي قصة بلال رضي الله عنه، لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حدثنى بأرجى عمل عملتَه في الإسلام؟" فإني سمعت دفّ نعليك بين يدي في الجنة! قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعةِ ليلٍ أو نهارٍ إلا صليتُ بذلك الطهور ما كُتب لي أن أصلى(])، "ففيه دليل أن الله يعظم المجازاة على ما ستر العبد بينه وبين ربه، مما لا يطّلع عليه أحد، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف عمل بلالٍ حتى سأله عنه


وكذا من أهم ما ينبغي تقريره إن أعمال السر لا يثبت عليها إلا الصادقون, فهي زينة الخلوات بين العبد وبين ربه, ولكن في وقت قل فيه عمل السر أو كاد أن ينسى ينبغي نشره.
وليعلم كل امرئ أن الشيطان لا يرضى ولا يقر إذا رأى من العبد عمل سر أبدًا, وإنه لن يتركه حتى يجعله في العلانية؛ ذلك لأن أعمال السر هي أشد أعمال على الشيطان, وأبعد أعمال عن مخالطة الرياء والعجب والشهرة
وعن محمد بن زياد قال: "رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده, ويدعو ربه, فقال له أبو أمامة: أنت أنت لو كان هذا في بيتك.
نعم حري بالعبد أن يتفقد صدقه في خبيئته ،فإذا وجد خشوعا في حضرة الناس مثلا، يتفكر في حال نفسه حال انفراده، هل يخشع أم طرأ الخشوع له حالة قيامه بين الناس فحسب ؟
عليه أن يتحرى صدقه مع ربه، وليحاسب نفسه حتى لا يقع من حيث لا يحتسب في الرياء أو الشرك الخفي .
وهناك ملحظ آخر مهم ينبغي تفقده من نفسه، ألا وهو حرصه على إجلال الناس له، وتكريمهم إياه ،وفي هذا يقول الغزالي –رحمه الله تعالى – عند ذكره للرياء الخفي قال: (وأخفى من ذلك أن يختفي العامل بطاعته بحيث لا يريد الاطلاع عليه ولا يسر بظهور طاعته، ولكنه مع ذلك إذا رأى الناس أحب أن يبدؤوه بالسلام.ويقابلوه بالبشاشة والتوقير.وأن يثنوا عليه وأن ينشطوا في قضاء حوائجه.
 وأن يسامحوه في البيع والشّراء، وأن يوسعوا له في المكان.فإن قصر مقصّر ثقل ذلك على قلبه، ووجد في ذلك استبعادا في نفسه كأنّه يتقاضى الاحترام والطّاعة التي أخفاها، كأنّه يريد ثمن هذا السّر الذي بينه وبين الله احترام النّاس، وهو لم يظهر العمل، والعمل الخفي بينه ويبن ربه، ولكنه ( ما دام أنه عمل ) نظر لنفسه.فيريد أن يكسب هذه الأمور من الناس، فإن قصر الناس في هذه الأمور، إذا استبعد نفسه ونظر لحله، ولو لم يكن قد سبق منه تلك الطاعة لما كان يستبعد تقصير الناس في حقه)

وأخيرا فلا بد أن يعرف العبد أن الخبيئة الصالحة أصل الثبات، كما أن الذنوب الخفية أصل الانتكاس .
قال ابن القيم رحمه الله: "الذنوب الخفيات أسباب الانتكاسات، وعبادة الخفاء أصل الثبات".
 فلئن كانت ذنوب الخلوات من أعظم مفسدات القلب؛ فإن الأعمال الصالحات في الخلوات من أعظم أسباب صلاحه، ولهذا كان السلف يوصون ويتواصون بهذا النوع من الأعمال
قال بعضهم: "ما ابتلي المؤمن ببلية شر من المعصية الخفية، ولا أوتي دواءً خيرا من طاعة الخفاء".
  رزقني الله وإياكم خبايا صالحة ،وطاعات الخفاء وتقبلها منا ،وصرف عنا خبايا السوء ،والمعاصي الخفية وعفا عنا
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأزواجه وذريته أجمعين 
‏‫أ.د.إبتسام الجابري

 

 
إضافة تعليق على الموضوع

*



*



*صياغة الإيميل غير صحيحة



*



*



*




عام مودَّع ..
في حج 1432 عامي الماضي حججت عن والدة زوجي -رحمها الله- والتي توفيت في نفس العام , وفي أثناء الحج رأيت في منامي جدة والدتي تعاتبني أني لم أحج عنها , فقلت لها: بإذن الله سأحج عنك العام المقبل فأومأت لي بحركة فهمت منها وكأنها تقول: (مايمديك) فوقع في نفسي أني لن أدرك حجي العام المقبل ؛بل سأودع قبل ذلك