الإيميل خطأ



تفاصيل الموضوع


الثبات مطلب عزيز

الثبات مطلب عزيز

التاريخ : 27/10/2017 الموافق 7/2/1439 | عدد الزيارات : 366

الثبات مطلب عزيز 
وقفات في آيات
قد كان الثبات قديمًا إلى يومنا هذا مطلب.
فها هو نبينا محمد عليه الصلاة والسلام كان أكثر دعائه؛ (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك).[1]
وقد امتدح الرسول -صل الله عليه وسلم- أولئك الذين مضوا قبلُ من الثابتين، بذكر صورة من الثبات يهتز لها الفؤاد وترجف منها الأركان، تأمل قوله :(لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه ..).[2] 
وكذا قصة أصحاب الأخدود [3]( عندما أمر الملك بأفواه السكك فحفر فيها الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، وقال : من رجع عن دينه فدعوه، وإلا فاقحموه فيها، وقال: فكانوا يتعادون فيها، ويتدافعون..).
وهذه لفتة ماضية رائعة سطرها الثابتون قديمًا، كما صورتها السنة النبوية.
وهناك فئة أخرى في زماننا صورت صور أخرى حديثة للثبات، رغم شتى ألوان العذاب .
إلا أن هناك فئة من الناس تتهاوى وتتساقط لأتفه الأسباب، وأحقر المبررات، فليس المسوغ لارتداده عن دينه، أو تنازله عن بعض أركانه، أو وقوعه في حرماته؛ خنجر يطعن به الصدر، ولا منشار يفرق به الرأس، ولا نار يقذف فيها الجسد، ولا أي صورة من صور التعذيب .
بل الأمر بخلاف ذلك كله، وليس يقرب حتى من صوره هذه.
فغاية الأمر قد تكون زينة تفوت، او شهوة تنقص، أو منصب يزول، أو مكانة تهتز.
فيا لبئس حال الثبات في زمن يسقط فيه لأجل كلمة تستلذ بها الأسماع، أو نظرة تطلق إليها الأبصار، أو حب باطل يسوغ به الحرام.
هكذا أصبح الثبات مطلبًا عزيزًا عندما أمسى مسوغ سقوطه حقيرًا.
فكن حكيمًا؛ لا تستعجل متعتك، فمتاع الدنيا قليل، مشوب بكدر، ويعلوه خوف وحزن.
فقد تتحصل على الزينة والمنصب والشهوة، ولكن ليس في ذلك سكن ولا رحمة ولا بركة؛ فاحذر الغبن.
واعلم أن لا خسارة أعظم من خسارتك لدينك.
فلا تقدم خسارة دينك على خسارة دنياك، وما أسوأ أن ترغب عن الرشد والهداية .
وتيقن أن الدنيا بيد الله لن تؤتى منها شيئا إلا بأمر الله، والدين يؤتيه الله من أحب، فكن ممن يحبه الله.
وهاك بعض الوقفات في آيات لتتبين كيف هو الثبات، وعلى ماذا يكون، وكيف هم أهله:
1- سؤال الأنبياء  الثبات، وهم خير الخلق، حيث عرفوا معنى الثبات.
(إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين )الأعراف 155
(رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والاخرة توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين) يوسف 101 
2- ثبات في قتال. 
(..قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) البقرة 2490250
فاللقاء هو لقاء الله، والمقام على الأرض إلى زوال، ولا تمام للنعيم إلا في الجنان.
فقهوا ذلك فثبتوا.
(وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) آل عمران 146-147
تأمل كيف هم أولئك الربيون؛ قال جعفر: علماء صبروا وقال ابن المبارك: أتقياء صبروا[4]
هم :علماء أتقياء أحسنوا الثبات.
فحري بالعلماء وطلبة العلم أن يحسنوا الثبات، ولا ترديهم الشهوات، ولا تسقطهم الشبهات.
كم هي الآيات التي تحدثت عن غاية الثبات في مواجهة الأعداء، وكم أولئك الجنود، بحاجة إلى ربط القلوب، وتثبيت الأقدام. 
3-عدة آيات في سورة الأنفال تحكي الثبات (إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)الأنفال 11-12
تأمل كيف هو التثبيت والنصر بالنعاس والمطر والملائكة، الأمر بيده وإليه، فاستعن به سبحانه.
(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) الأنفال 45
تأمل أثر ذكر الله على الثبات، وتزود به.
عَنْ قَتَادَةَ، في قَوْلُه: " (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) [الأنفال: 45] افترض الله ذكره عند أشغل ما تكونون عِنْدَ الضِّرَابِ بِالسُّيُوفِ "[5]
والأمر لم يقتصر على الذكر، بل الإكثار منه، لتحقيق الفلاح.
4- لا تركن ولا تقارب، هكذا هي حقيقة الثبات.
( ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا) الإسراء 74
قال ابن جزي: (لأن معنى كاد فلان يفعل كذا أي: أنه لم يفعله فانتفى الركون إليهم ومقاربته، فليس في ذلك نقص من جانب النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأن التثبيت منعه من مقاربة الركون، ولو لم يثبته الله لكانت مقاربته للركون إليهم شيئًا قليلًا، وأما منع التثبيت فلم يركن قليلًا ولا كثيرًا، ولا قارب ذلك إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ أي عذابهما لو فعل ذلك).[6]
وإذا كان هذا في خطاب نبوي ، فكيف بمن هم دونه ؟ فاخش الله
وقف كذلك على دعاء (فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله)[7]
فهلا أدركت معنى طرفة العين، لتعرف كيف ينبغي أن يكون ثباتك.
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود: 113] قَالَ: الرُّكُونُ: الْإِدْهَانُ. وَقَرَأَ: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم: 9] قَالَ: تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ، وَلَا تُنْكِرْ عَلَيْهِمُ الَّذِي قَالُوا: وَقَدْ قَالُوا الْعَظِيمَ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ. قَالَ: وَإِنَّمَا هَذَا لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَمَا أَهْلُ الذُّنُوبِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِذُنُوبِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَلَا يَرْكَنُ إِلَيْهِ فِيهَا "[8]
5-لا تفتتن بزوج أو ولد أو مال .
(يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم)التغابن 14-15
وكم هم أولئك المفتونون، بهذه الفتن. 
6- تعلم الثبات، واعتبر بالقصص، واستفد من الأحداث
(وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين) هود 120
بعضهم يحيا بدون قلب يفقه، أو سمع يعي، أو عين تبصر؛ والله المستعان.
7-اسأل الله الثبات ، وسر في طريقه، فثباتك في الدنيا طريق إلى ثباتك في البرزخ وفي الآخرة.
(ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب)آل عمران 8
فما أسوأ الزيغ بعد الهدى والرشد.
(يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة) إبراهيم 27
قال الطبري: يثبت الله الذين آمنوا: يحقق أعمالهم وإيمانهم[9] 
وقال في موضع آخر: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا ثَبَتَ بِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ تَثْبِيتُهُ إِيَّاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي الْآخِرَةِ بِمِثْلِ الَّذِي ثَبَّتَهُمْ بِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَذَلِكَ فِي قُبُورِهِمْ حِينَ يُسْأَلُونَ عَنِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وفي الآخرة[10] أخرج مسلم أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قال: «اَلْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ[11]
وأخيرا نسأل الله الثبات في الدنيا والآخرة

[1] كما في حديث أم سلمة  قالت: كان أكثر دعائه؛ يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وقد أخرجه الترمذي 2014 ح 3522،وأحمد 315/1 وغيرهما وهو بجموع طرقه وشواهده صحيح لغيره مجمع الزوائد 179/10

[2] أخرجه البخاري 3852

[3] أخرجه مسلم 7703

[4] تفسير الطبري أحمد شاكر7/268

[5] تفسير الطبري 11/213 ط هجر

[6] تفسير ابن جزي 1/452

[7] أخرجه أبو داوود 5090 وأحمد 20430 وحسنه الألباني في صحيح أبي داود 3/250

[8] تفسير الطبري12/601 ط هجر

[9] تفسير الطبري13/657

[10] تفسير الطبري 13/666

[11] أخرجه مسلم الجنة حديث 73-74

 
إضافة تعليق على الموضوع

*



*



*صياغة الإيميل غير صحيحة



*



*



*




عام مودَّع ..
في حج 1432 عامي الماضي حججت عن والدة زوجي -رحمها الله- والتي توفيت في نفس العام , وفي أثناء الحج رأيت في منامي جدة والدتي تعاتبني أني لم أحج عنها , فقلت لها: بإذن الله سأحج عنك العام المقبل فأومأت لي بحركة فهمت منها وكأنها تقول: (مايمديك) فوقع في نفسي أني لن أدرك حجي العام المقبل ؛بل سأودع قبل ذلك